ابن فضلان

31

رحلة ابن فضلان

تكن تشتغل في الواقع العمليّ كما تشتغل على الصعيد النظريّ البحت ، مثلها مثل الكثير من المفهومات السائدة الأخرى . هذا ما تبرهنه الهجرة واسعة النطاق من طرف جغرافيين وعلماء فلك هنود ، وخزّافين صينيين وغيرهم ، قادمين كلّهم من دار الكفر ( الهند ) و ( الصين ) للإقامة في ( دار الإسلام ) ، بغداد العباسية . بإمكاننا الآن تعداد العشرات من أسمائهم . المخطط الذي يبني عليه البعض تحليلاتهم المعاصرة ، بشأن هذه الثنائية ، يبقى من طبيعة تلفيقيّة محض . على العكس من ذلك يبدو ابن فضلان وصحبه ، وهو في موقف الواثق ، إلى درجة كان يأمر بها وينهي ملك الصقالبة نفسه : « وبدأت فقرأت صدر الكتاب فلمّا بلغت منه « سلام عليك فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو » ، قلت : ردّ على أمير المؤمنين السلام ، فردّ وردّوا جميعا بأسرهم » . وثوق قادم من ترسّخ وقوة الحضارة الإسلاميّة في العالم القديم . ومثلما لا يشعر الإمريكيّ اليوم بالهيبة من حضور الآخر ، فلم يكن العربيّ والمسلم ليعانيان من هذا الشعور . 2 - هجرة الأيدي العاملة تتابع مراكز الثروة : تغدو العواصم الغنيّة الكبرى ، في لحظات الازدهار الحضاريّ ، محطات لقادمين من مختلف أصقاع العالم يبحثون عن لقمة العيش . إنّ تجمّع الثروات في بقعة ما يعني من بين ما يعني ، أنّ تلك العواصم قد صارت موطنا لتجمّع كميات كبيرة من الذهب . وهو ما نراه في عواصم الأرض اليوم : فرنسا ، ألمانيا ، الولايات المتحدة الأمريكية ، سويسرا . . إلخ التي تستقطب المزيد من المهاجرين من مختلف التخصّصات . إنّ القاعدة العامة في التاريخ الاقتصاديّ هي أن هجرة الأيدي العاملة تتابع مراكز انتقال الذهب : رمز الثروة . هذا هو حال بغداد في العصور العباسيّة المزدهرة التي كان وضعها يشابه تماما العواصم الثريّة في وقتنا الحالي . يشابهه تماما حتّى بالتفصيلات الأكثر دقّة . فإنّ وجود تجمّعات وأسواق لجاليات أجنبية مثل الهنود والصينيين والعرب في فرنسا ونيويورك اليوم كان له مثيل في ( سوق خضر ) لباعة وصنّاع الخزف والغضار الصينيّ في بغداد العباسيّة ، وفي الأعداد المتزايدة من الهنود المشتغلين في حقول التنجيم والرياضيات ، والبيزنطيين المشتغلين في حقول